أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
658
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الهداية التي هي من بعض لوازمه ، وإنما يؤدّي معنى النفي على طريقة النفي في البيت أن لو كان التركيب : « لا يلحفون الناس سؤالا » لأنه يلزم من نفي السؤال نفي الإلحاف ، إذ نفي العامّ يدلّ على نفي الخاص . فتلخّص من هذا كلّه أنّ نفي الشيئين : تارة تدخل حرف النفي على شيء فتنتفي جميع عوارضه ، وتنبّه على بعضها بالذكر لغرض ما ، وتارة تدخل حرف النفي على عارض من عوارضه ، والمقصود نفيه فتنتفي لنفيه عوارضه » . قلت : قد سبقه ابن عطية إلى هذا فقال : « تشبيهه ليس مثله في خصوصية النفي ، لأنّ انتفاء المنار في البيت يدلّ على نفي الهداية ، وليس انتفاء الإلحاح يدلّ على انتفاء السؤال » . وأطال ابن عطية في تقرير هذا وجوابه ما تقدم : من أنّ المراد نفي الشيئين لا بالطريق المذكور في البيت ، وكان الشيخ قد قال قبل ما حكيته عنه آنفا : « ونظير هذا : ما تأتينا فتحدّثنا » فعلى الوجه الأول يعني نفي القيد وحده : ما تأتينا محدّثا ، إنما تأتي ولا تحدّث ، وعلى الوجه الثاني يعني نفي الحكم بقيده ب « ما يكون منك إتيان فلا يكون حديث » ، وكذلك هذا : لا يقع منهم سؤال البتّة فلا يقع إلحاح ، ونبّه على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح لقبح هذا الوصف ، ولا يراد به نفي هذا الوصف وحده ووجود غيره ؛ لأنه كان يصير المعنى الأول ، وإنما يراد بنفي هذا الوصف نفي المترتبات على المنفيّ الأول ، لأنه نفى الأول على سبيل العموم فتنتفي مترتّباته ، كما أنك إذا نفيت الإتيان فانتفى الحديث انتفى جميع مترتّبات الإتيان من المجالسة والمشاهدة والكينونة في محلّ واحد ، ولكن نبّه بذكر مترتّب واحد لغرض ما على ذكر سائر المترتّبات » قلت : وهو تقرير لما تقدّم . وأمّا الزمخشري فكأنه لم يرتض تشبيه الزجاج ، فإنه قال : « وقيل : هو نفي للسؤال والإلحاف جميعا كقوله : على لاحب لا يهتدى بمناره * . . . يريد نفي المنار والاهتداء به » . وطريق أبي إسحاق الزجاج هذه قد قبلها الناس ونصروها واستحسنوا تنظيرها بالبيت كالفارسي وأبي بكر بن الأنباري ، قال أبو علي : « لم يثبت في قوله : « لا يسألون الناس إلحافا » مسألة فيهم ، لأن المعنى : ليس منهم مسألة فيكون منهم إلحاف ، ومثل ذلك قول الشاعر : 1093 - لا يفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضبّ بها ينجحر « 1 » أي : ليس فيها أرنب فيفزع لهولها ولا ضبّ فينجحر ، وليس المعنى أنه ينفي الفزع عن الأرنب والانجحار عن الضب . وقال أبو بكر : « تأويل الآية : لا يسألون البتة فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف ؛ فجرى هذا مجرى قولك : فلان لا يرجى خيره أي : لا خير عنده البتة فيرجى ، وأنشد قول امرئ القيس : 1094 - وصمّ صلاب ما يقين من الوجى * كأنّ مكان الرّدف منه على رال « 2 » أي : ليس بهن وجى فيشتكين من أجله . وقال الأعشى :
--> ( 1 ) البيت لابن أحمر انظر أمالي ابن الشجري ( 1 / 192 ) ، الخصائص ( 3 / 165 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 36 ) .